الخميس، 10 يوليو 2008

الحنين إلى الأوطان - للجاحظ

أنشد أبو النصر الأسديّ‏:‏

أحبُّ الأرض تسكنُها سليمى وإن كانت توارثها الجُدوبُ

وأنشدني حمَّاد بن إسحاق الموصلي‏:‏

أحبُّ بلاد الله ما بين صارةٍ إلى غطفان إذ يصوب سحابُها

بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي وأول أرضٍ مسَّ جلدي ترابُها

قال‏:‏ ولمّا حُملت نائلة بنت الفرافصة الكلبية إلى عثمان بن عفّان رضي الله عنه كرهت فراق أهلها فقالت لضبّ أخيها‏:‏

ألست ترى بالله يا ضبُّ أنّني مرافقةٌ نحو المدينة أركُبا

أما كان في أولاد عوف بن عامرٍ لك الويل ما يُغني الخباء المطَّنبا

أبي الله إلاّ أن أكون غريبةً بيثرب لا أمّاً لديَّ ولا أبا

قال‏:‏ وزُوِّجت من أبان في كلبٍ امرأةٌ فنظرتْ ذات يومٍ إلى ناقةٍ قد حنَّت فذكرتْ بلادها وأنشأتْ تقول‏:‏

ألا أيُّها البكْرُ الأبانيُّ إننّي وإياك في كلبٍ لمغتربانِ

نحنُّ وأبكى ذا الهوى لصبابةٍ وإنَّا على البلوى لمصطحبانِ

وإنَّ زماناً أيُّها البكرُ ضمَّني وإيّاك في كلبٍ لشرُّ زمانِ

وقال آخر‏:

وما عسلٌ ببارد ماءِ مُزنٍ على ظمأٍ لشاربه يُشابُ

بأشهى من لقائكم إلينا فكيف لنا به ؟ ومتى الإيابُ ؟

وأنشد الغنويُّ لبعض الهذليين‏:‏

وأرى البلاد إذا سكنتِ بغيرها جدْباً وإن كانت تُطلُّ وتُجنبُ

وأرى العدوَّ يحبُّكم فأحبُّه إن كان يُنسب منك أو يتنسَّبُ

قال‏:‏ ومن هذا أخذ الطائيُّ قوله‏ :

كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى وحنينُه أبداً لأوّل منزلِ

وأنشد أبو عمرٍو البجلي‏:‏

تمتَّعْ من شميم عرار نجدٍ فما بعد العشيّة من عرارِ

ألا يا حبّذا نفحاتُ نجدٍ ورياً روضه غبَّ القطارِ

وعيشك إذْ يحُلُّ القومُ نجداً وأنت على زمانك غير زارِ

شهورٌ ينقضين وما شعرنا بأنصافٍ لهنَّ ولا سرارِ

وقال آخر :

ألا هل إلى شمِّ الخُزامى ونظرةٍ إلى قرقرى قبل المماتِ سبيلُ ؟!

فأشرب من ماء الحجيلاء شربةً يُداوى بها قبل المماتِ عليلُ

فيا أثلاتِ القاعِ قلبي موكَّلٌ بكنَّ وجدوى خيركنَّ قليلُ

ويا أثلات القاع قد ملَّ صُحبتي مسيري ، فهل في ظلِّكنَّ مَقِيلُ

أُريدُ انحداراً نحوها فيردُّني ويمنعني دينٌ عليَّ ثقيلُ

أحدِّث نفسي عنك إذْ لستُ راجعاً إليك ، فحزني في الفؤادِ دخيلُ

وأنشد للمجنون‏:‏

إلى عامرٍ أصبو .. وما أرضُ عامرٍ ؟! هي الرَّملةُ الوعساء والبلد الرَّحبُ

معاشر بيضٌ لو وردت بلادهم وردت بُحوراً ماؤها للنَّدى عذبُ

إذا ما بدا للناظرين خيامُهم فثمَّ العتاقُ القُبُّ والأسل القُضْبُ

وأنشدنا المازني‏:‏

اقرأ على الوشل السَّلام ، وقل له ‏:‏ كلُّ الموارد مُذ هُجرت ذميمُ

جبل يُنيف على الجبال إذا بدا بين الغدائر والرِّمال مقيمُ

لو كنت أملك برد مائك لم يذقْ ما في فلاتك ما حييتُ لئيمُ

وقالت امرأةٌ من عقيل‏:‏

خليليَّ من سكان ماوان هاجني هبوبُ الجُنوبِ : مرُّها وابتسامُها

فلا تسألاني ما ورائي فإنَّني بمنزلةٍ أعيا الطبيب سقامُها

وقال آخر‏:‏

ألا ليت شعري والحوادثُ جمّةٌ متى تجمعُ الأيامُ يوماً لنا الشَّملا

وكلُّ غريبٍ سوف يُمسي بذلَّةٍ إذا بان عن أوطانه وجفا الأهلا

وقال آخر‏:‏

ألا ليت شعري يُجمع الشَّملُ بيننا بصحراء من نجران ذات ثرى جعدِ

وهل تنْفُضنَّ الرِّيحُ أفنان لمَّتى على لاحق الرِّجلين مضطمرٍ وردِ

وهل أردنَّ الدَّهر حسْي مزاحمٍ وقد ضربته نفحةٌ من صبا نجدِ

وقال آخر‏:‏

وأنزلني طولُ النَّوى دار غرْبةٍ إذا شئتُ لاقيت امرأً لا أشاكلُه

فحامقتُه حتَّى يقالُ سجيّةٌ ولو كان ذا عقلٍ لكنتُ أعاقلُه

وأنشد لذي الرمة‏:‏

إذا هبَّت الأرواح من نحو جانبٍ به أهلُ ميٍّ هاج قلبي هبوبُها

هوىً تذرف العينان منه ، وإنّما هوى كلِّ أرض حيث حلّ حبيبُها


وقال الفرزدق‏:

لكسرى كان أعقل من تميم ليالي فرَّ من بلد الضِّبابِ

فأسكن أهله ببلاد ريفٍ وجنّاتٍ وأنهارٍ عذابِ

فصار بنُو بنيه بها مُلوكاً وصرْنا نحن أمثال الكلابِ

فلا رحم الإله صدى تميمٍ فقد أزرى بنا في كلِّ بابِ

وقال آخر :

سقى الله أرض العاشقين بغيثه وردَّ إلى الأوطان كلَّ غريبِ

وأعطى ذوي الهيئات فوق مُناهم ومتَّع محبوباً بقرب حبيبِ

ليست هناك تعليقات: