الخميس، 24 يوليو 2008

حــكم المـنـيـة فــي البرية جــار - للشاعر : ابي الحسن التهامي


حــكم المـنـيـة فــي البرية جــار *** مــا هــذه الدنيا بـدار قـــرار

بينــا يــرى الإنسـان فيها مخبـرا *** حتى يـرى خبـرا من الأخبار
طبعت على كــدر وأنت تريدهــا *** صفـوا مـن الأقــذار والأكدار
ومـكلـف الأيـــام ضـد طبـاعـهــا ***متطلب فــي الماء جـذوة نار
وإذا رجــوت المستحيل فـإنمــا ***تبنى الرجاء علـى شفير هار
فـالعيـش نــوم والـمنيـة يقظـة *** والمـرء بينهـمـا خيــال ســار
فــاقضــوا مـآربكم عجــالا إنمـا ***أعمـاركـم سفـرٌ مـن الأسفار
وتـراكضوا خيل الشباب وبادروا *** ان تـستـرد فــإنهـــن عـــوار
فـالدهر يخـدع بالمنى ويغـص ان ***هنَّــا ويهــدم ما بنى ببــوار
ليس الزمان وان حرصت مسالما *** خُلق الزمان عداوة الأحرار
إنــي وُتــرت بصـارم ذي رونــق *** أعــددتـــه لطــلابة الأوتـــار
والنفس ان رضيت بذلك أو أبت *** مـنقـــادة بــأزمَّــة المـقـــدار
أثنـى عـليــه بــإثــره ولــو انــه *** لــم يغتبــط أثنيـــت بـــالآثـار
يــا كوكبا، مـا كـان أقصر عمره *** وكــذاك عمر كواكب الأسحار
وهــلال أيـام مضى لم يستدر ***بدرا ولـم يمهــل لـوقـت سـرار
عجل الخسوف عليه قبل أوانه ***فمحــاه قبـل مظنــة الإبــدار
واسـتـل مــن أتـرابه ولـداتــه *** كـالمقـلة استـلت من الأشفار
فـكــأن قلبــي قبـره وكــأنــه ***فـي طيــه ســر مــن الأســرار
إن يعتبـط صغـرا فـرب مقمم *** يبــدو ضئيـل الشخـص للنظــار
إن الكواكب في علـو محلها *** لتـرى صغــارا وهــي غيـر صغار
ولد المعزى بعضه فإذا مضى *** بعض الفتى فالكل في الآثار
أبكيـــه ثـم أقـول معتـذرا لـه *** وفقـــت حيــن تركــب الأم دار
جــاورت اعـدائي وجـاور ربـه *** شـتــان بيـن جـواره وجــواري
ثـوب الريــاء يشف عما تحته *** وإذا التحـفـت بـه فـانــك عــــار
قصرت جفوني أم تباعد بينها *** أم صُــورت عينــي بلا أشفـــار
جفت الكرى حتى كأن غراره *** عند اغتمـاض العيـن وخز غرار
ولو استزارت رقدة لطحا بها *** مـــا بيـن أجفـــاني مـــن التيـار
أُحيي الليالي التم وهي تميتني *** ويميتهن تبلـــج الأسحـــار
حتى رأيت الصبح تهتك كفه *** بالضوء رفرف خيمــة كــالقـــــار
والصبح قد غمر النجوم كأنه *** سيــل طغـــى فطـــفـا النـــوار
والهون في ظل الهوينا كامن *** وجلالة الاخطـار فـي الاخطــار
تندي أســـرة وجهه ويمينه *** فـي حالة الاعـســـار والإيســـار
ويمد نحو المكــرمات أنامــلا *** للـــرزق أثنـــائهــــن مجـــــــــار
يحوي المعالي كاسبا أو غالبا *** أبـــدا يــداري دونهـا ويـــداري
قـد لاح في ليل الشباب كـواكب *** ان أمهلت آلت إلى الأسفار
وتلـهـب الأحشـاء شيب مفرقـي *** هذا الضياء شواط تلك النار
شـاب القذال وكـل غصـن صـائـر *** فينانه الأحوى إلى الإزهار
والشبه منجذب فلم بيض الدمى *** عن بيض مفرقه ذوات نفار
وتود لو جعلت سواد قلوبها *** وســـواد أعينهـا خضـــاب عــذار
لا تنفر الظبيات عنه فقد رأت *** كيف اختلاف النبت في الأطوار
شيئان ينقشعان أول وهلة ***ظل الشبـاب، وخـلـة الأشـــــرار
لا حبذا الشيب الوفي وحبذا *** ظل الشبـاب الخـــائن الغـــدار
وطرى من الدنيا الشباب وروقه *** فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري
قصرت مسافته وما حسناته *** عـنــــــدي ولا آلاؤه بقــصــــــار
نزداد همسا كلما ازددنا غنى *** والفقر كل الفقــر في الاكثــار
مازاد فوق الزاد خُلِّف ضائعا *** في حـــادث أو وارث أو عــــــار
إني لأرحم حاسدي لحر ما ***ضمنت صــدورهم مــن الأوغــــار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ***فــي جنـــة وقلـــوبهم في نـار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائل *** فكــأنها برقعت بوجــه نهـــار
وسترتها بتواضعي فتطلعت ***اعنــاقهــا تعـلو علــى الاستــار
ومن الرجال معالم ومجاهل *** ومن النجــوم غوامــض ودراري
والناس مشتبهون في ايرادهم *** وتفاضل الاقوام في الاصدار
عمري لقد أوطاتهم طرق العلا *** فعموا فلم يقفوا علـى آثـاري
لو أبصروا بقلوبهم لاستبصروا *** وعمى البصائر من عمى الأبصار
هلا سعوا سعي الكررام فأدركوا *** أو سلموا لمواقع الأقـــدار
ولربما اعتضد الحليم بجاهل *** لا خيـر فــي يمنى بغير يســـار

ليست هناك تعليقات: