رحل عن عالمنا عالم فذ من علماء اللغة والأدب، دون أن يثير رحيله انتباه أحد من المثقفين، باستثناء بعض الصحف التي نوهت إلى خبر وفاته في اقتضاب لا يليق برجل مثله خدم التراث والمكتبة العربية لأكثر من سبعين عاماً.
كان "حسين مجيب المصري" ـ رحمه الله ـ عالما موسوعيا، وقد كان أول عربي يجيد ثماني لغات وينظم الشعر بالتركية، والفرنسية والأوردية والفارسية والروسية، ويترجم من هذه اللغات إلى العربية، ولعله أيضاً العربي الوحيد الذي ترجمت كتبه إلى هذه اللغات وسجلت عنه وعن شعره رسائل جامعية عديدة في مختلف الدول الإسلامية.
لقب بعميد الأدب الشرقي والإسلامي المقارن؛ لكثرة مؤلفاته التي تزيد على ٦۰ مؤلفاً، معظمها في المقارنات بين آداب الشعوب الإسلامية وفي الأدب العربي والتركي منها: "في الأدب الشـعبي والإسلامي المقارن"، "صلات بين العرب والفرس والترك"، "رمضان في الشعر العربي والتركي والفارسي"، "إقبال والقرآن"، "إقبال بين المصلحين الإسلاميين"، "القدس بين شعراء الشعوب الإسلامية".. الخ، إلى جانب عشرات الكتب التي حققها وراجعها ومئات الرسائل الجامعية التي أشرف عليها.
منحته الحكومة الباكستانية عام ۱٩٧٧م ميدالية إقبال، ووسام الامتياز عام ۱٩٨٧م.. وهو أرفع وسام يمنح للعلماء، كما كرمته الحكومة التركية عام ۱٩٩٧م بحصوله على وسام الخدمة العالية وهو أعلى وسام يمنح للعلماء في تركيا، ومنحته وزارة الثقافة المصرية جائزة التفوق في الأدب الإسلامي العام الماضي.
ولد الدكتور المصري بالقاهرة عام ۱٩۱٦م بقصر جده محمد ثاقب باشا الذي كان وزيراً للري في عهد الخديوي إسماعيل في عام ۱٩۲٩م. وحينما كان طالباً في المدرسة الابتدائية، عكف على قراءة كتب الرافعي، جبران خليل جبران، وقد ظهرت ملكاته الأدبية عندما التحق بمدرسة السعيدية الثانوية بمحافظة الجيزة عام ۱٩۳۲م، فكان يحصل على الدرجات النهائية في الإنشاء ونشر أول قصيدة له بعنوان "الوردة الذابلة" وهي مرثية في ابنة عم له توفيت، وهذه القصيدة من عيون شعره كما كان يقول رحمه الله، كما كان متأثراً بالخيال العالي في شعر الرافعي، وشوقي، والزهير، وغيرهم من الشعراء الذين قرأ لهم، وفي هذه الفترة كان ينظم الشعر بالفرنسية ويقدمه إلى مدرسه ليصححه له، وكان المدرس يبدي إعجابه بخياله ورقة عاطفته، وكان يترجم من الشعر الإنجليزي إلى الشعر العربي، وفي الجامعة التحق بقسم اللغة العربية وفيها تكاملت حصيلته اللغوية، وكانت من مواد الدراسة اللغة الفارسية والتركية فأولع بهما كثيراً، وتعمق في دراستهما وكان يعلم نفسه بنفسه ولا يعتمد فقط على الدراسة، كما ودرس الألمانية وترجم كتاباً ألمانياً عنوانه "تاريخ الأدب الفارسي" وعلق عليه.
تعلم الإنجليزية والفرنسية في المدرسة الثانوية وفي الجامعة تعلم الفارسية والتركية والألمانية وبعد التخرج التحق بمعهد اللغات الشرقية لمدة ثلاث سنوات بما يعادل الماجستير وفيه أتقن الأوردية والإيطالية والروسية وكان يترجم من هذه اللغات إلى العربية.
درس الدكتور المصري ـ رحمه الله ـ هذه اللغات بهدف التعرف على المصادر الخاصة بالتاريخ الإسلامي في هذه الآداب، وكان يترجم وهو طالب لزملائه وأساتذته من هذه اللغات، وساعدته على الاطلاع على التراث الإسلامي للشعوب الشرقية، فقد كان يرى أن هذا التراث لا يقتصر على الشعوب العربية، فقط، ولكن يجب الاطلاع على التراث الإسلامي لهذه الشعوب؛ لأنه جزء من الحضارة الإسلامية وتاريخها، كما ساعدته هذه اللغات على عقد المقارنات بين آداب الشعوب الإسلامية.
وحين حصل على دبلوم معهد الدراسات الشرقية الذي يعادل درجة الماجستير حالت الحرب العالمية الثانية دون سفره لإعداد رسالة الدكتوراه فاشتغل بتدريس الأدب التركي والفارسي والأدب الإسلامي المقارن في جامعة القاهرة، ومعهد الدراسات العربية وعمل بالصحافة في بعض الصحف المصرية حتى عام ۱٩٥۲م، ثم سافر إلى تركيا للحصول على الدكتوراه عن "فضولي البغدادي" أمير الشعر التركي.
وأثناء إعداده لرسالة الدكتوراه أصيب بانفصال شبكي.. طالت فيه رحلة العلاج التي انتهت بفقد بصره، ورغم ذلك زاد إصراره وحصل على الدكتوراه، وكان أول عربي يحمل الدكتوراه في الأدب التركي وأول من عرف القارئ العربي بتراث الترك الأدبي، وأخرج العديد من الكتب في ذلك، وترجم الشعر التركي إلى شعر عربي على نفس الوزن والقافية، وكذلك الحال لآداب الشعوب الشرقية، وكان يساعده أثناء رحلته، سواء في القراءة أو الكتابة، ابنه وبعض أصدقائه.
كانت سعة اطلاعه وإلمامه باللغات الشرقية من العوامل التي ساعدته منذ البداية على عقد المقارنات بين الآداب الشرقية والإسلامية، وكان أول من اشتغل بالأدب الشرقي، وكذلك أول من اشتغل بالأدب الإسلامي المقارن، وكان يقول :
"عقد المقارنات له أهمية خاصة لا يستطيعها إلا من ملك ناصية كل هذه اللغات، وهي أفضل ما يكون في إبراز حقائق الآداب التي تعقد بينها المقارنات، فنحن إذا عقدنا المقارنة بين فنون الشعر التركي والغربي فإنما نعقد المقارنة بين شعبين، ومن هنا كان لابد من استغلال إلمامي بثماني لغات لعقد المقارنات بين آداب هذه الشعوب، وتبين لي من خلالها أن تراثنا الإسلامي ليس في العربية وحدها، بل في لغات الشعوب الإسلامية الأخرى التي تعتبر كنوزا متخفية آن لها أن ترى النور؛ بل يمكن أن أقول إن من يعتمد على دراسة التراث الإسلامي عند العرب وحدهم فإنها تكون دراسة مبتورة ولابد من استكمالها بالنظر في آداب الشعوب الإسلامية الأخرى".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق